• ×

08:32 صباحًا , السبت 22 محرم 1441 / 21 سبتمبر 2019

غير مهم

( شهر الله المحرم )

غير مهم

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


image


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أمَّا بعد :
فإننا في هذه الأيام ودّعنا عاماً ماضياً شهيداً ، واستقبلنا عاماً مشرقاً جديداً ، وشهراً مفضلاً حميداً ، ودّعنا عاماً مضى بما فيه من خيراتٍ وشرور ، وأحزانٍ وسرور ، عاماً حمل أحداثاً كثيرة أورثت الهموم والغموم أحياناً ، وأورثت السرور والانشراح أحياناً .
وهكذا الأيام تمضي سريعاً ، وتنصرم جميعاً ، وليس للإنسان من عمره إلاَّ ما أمضاه في طاعة الله تعالى .
إنّ هذه الأيام مراحل نقطعها إلى الدار الآخرة ، وكل يوم بل كل لحظة فإنها تبعدنا من الدنيا وتقربنا إلى الآخرة ، فكل يوم يدني من القبور ، ويبعد عن عامر الدور والقصور .

إنّا لنفرحُ بالأيام نقطعها
وكل يوم مضى يُدني من الأجلِ


فليحاسب العاقل نفسه ولينظر في أمره ، فإن كان قد فرّط في شيء من الواجبات فليتب إلى الله تعالى وليستدرك ما فات ، وإن كان ظالماًَ لنفسه بفعل المحرمات فليقلع عنها قبل حلول الأجل والفوات ، وإن كان ممن منَّ الله عليه بالاستقامة فليحمد الله على ذلك وليسأله الثبات إلى الممات .
إنّنا في هذه الأيام نستقبل شهر الله المحرم وهو أحد الأشهر الحرم التي أمر الله تعالى أن تحترم وتعظّم وهي : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان .
هذه الأشهر الأربعة محترمة ومعظمة في الجاهلية والإسلام ، خصّهن الله تعالى بالنهي عن ظلم النفس فيهنّ في قوله : {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: ٣٦] ، والنهي عن ظلم النفس يشمل جميع الأحوال والأزمان لكن هذه الأشهر الأربعة لها خصوصية يكون فيها ظلم النفس أشد وأعظم .
فالواجب احترام ما أمر الله باحترامه من الأزمنة والأمكنة ؛ لأن تعظيم حرمات الله تعالى من تعظيم الله ، واحترام شعائره دليلٌ على محبته .

وقد ذكر أهل العلم أن لهذه الأشهر خصائص ، منها :

1- مضاعفة الحسنات والسيئات ، فثواب الحسنات يضاعف في كل زمان ومكان فاضل ، وعقوبة السيئات تَعْظُم في كل زمان ومكان فاضل ، وقد دلّ على ذلك قوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: ٢١٧ ] ، وقال تعالى : {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: ٢٥ ] .
2- تحريم القتال فيهنّ ابتداءً ، قال تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: ٢١٧ ] .
3- أن فيها مناسك الحج .
4- أن فيها عشر ذي الحجة ، ويوم عرفة والنحر ، وعاشوراء .
5- تغليظ الدية عند بعض العلماء .
إنّ شهر الله المحرم فاتحة شهور العام وأعظم الأشهر الأربعة الحرام سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله فأضافه إليه ، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة ...) .
فإضافته إليه تدل على فضله وشرفه ؛ لأن الله تعالى لا يضيف إليه إلاَّ خواص مخلوقاته .
وهذا الحديث يدل على أن أفضل ما يُتطوّع به من الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ؛ وذلك لأن التطوّع بالصيام نوعان :
النوع الأول : تطوع مطلق ، فهذا أفضله المحرم ، كما أن أفضل التطوّع المطلق بالصلاة قيام الليل .
النوع الثاني : ما صيامه تبع لصيام رمضان قبله وبعده ، فهذا ليس من التطوع المطلق ، بل صيامه تبع لصيام رمضان وملحق به ، كصيام ستة أيام من شوال ، وصيام شعبان ، فهذا يلتحق بصيام رمضان لقربه منه ، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها ، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة ، فكذلك صيام ما قبل رمضان وما بعده .
وإنما كان لشهر الله المحرم هذه الخصيصة لأنه لما كان مضافاً إلى الله تعالى وكان الصيام من بين سائر الأعمال مضافاً إلى الله ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصيام .
وأفضل أيام هذا الشهر يوم عاشوراء ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صومه على سائر الأيام . ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سُئل عن صوم يوم عاشوراء ، فقال : (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوماً يتحرّى فضله على الأيام إلاّ هذا اليوم يعني: عاشوراء) .
فيوم عاشوراء له فضيلته عظيمة ، وحرمته قديمة عند الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم في صيامه أربع مراحل :
المرحلة الأولى : أنه كان يصومه في مكة ولا يأمر الناس بالصوم ، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : (كان عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه) .
المرحلة الثانية : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ورأى أهل الكتاب يصومونه ويعظمونه وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به ، صامه وأمر الناس بصيامه ، وأكّد الأمر بصيامه والحث عليه حتى كانوا يُصومون صبيانهم ، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ قالوا : هذا يوم صالح نجّى الله فيه موسى وقومه ، وأغرق فرعون وقومه ، فصامه موسى شكراً ، فنحن نصومه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فنحن أحق وأولى بموسى منكم ، فصامه وأمر بصيامه) .
وعن الربيع بنت مُعَوِّذ قالت : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة : من كان أصبح صائماً فليتم صومه ، ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه ، فكنا بعد ذلك نصومه ، ونصوّم صبياننا الصغار ونذهب بهم إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن ، فإذا سألوا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم . متفق عليه .
المرحلة الثالثة : أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بصيام يوم عاشوراء وتأكيده فيه . فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه ، فلما فرض رمضان ترك ذلك) .
وعن معاوية رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه ، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر) . متفق عليه.
المرحلة الرابعة : أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم في آخر حياته على أن لا يصومه مفرداً بل يضم إليه يوماً آخر مخالفةً لأهل الكتاب في صيامه .
ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ، قالوا يا رسول الله : إنّه يومٌ تُعظمه اليهود والنصارى ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا كان العام المقبل إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع . قال : فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي رواية : (لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع) .


(فضل صوم يوم عاشوراء)


عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة ؟ فقال : يكفر السنة الماضية والباقية . وسُئل عن صوم يوم عاشوراء ؟ فقال: يكفر السنة الماضية .
وفي روايةٍ : صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ، وصيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله . رواه مسلم .
وإنما كان صيام يوم عرفة كفارة سنتين ، وصيام عاشوراء كفارة سنة ؛ لأمرين:
أحدهما : أن يوم عرفة في شهرٍ حرام وقبله شهر حرام وبعده شهر حرام ، وهو في أشهر الحج بخلاف عاشوراء .
الثاني : أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا ، بخلاف عاشوراء ، فضوعف ببركات النبي صلى الله عليه وسلم .

( مراتب صيام عاشوراء )


لصيام عاشوراء أربع مراتب :
المرتبة الأولى : أن يصوم يوماً قبله ويوماً بعده ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (صوموا يوم عاشوراء ، وخالفوا اليهود ، صوموا يوماً قبله ويوماً بعده) . رواه أحمد . وفي رواية : (أو بعده) ، وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله : "إسناده حسن" .
وفي صوم الثلاثة فائدة وهي الحصول على أجر صيام ثلاثة أيام من كل شهر .
المرتبة الثانية : أن يصوم التاسع والعاشر .
المرتبة الثالثة : أن يصوم العاشر والحادي عشر .
المرتبة الرابعة : أن يصوم العاشر فقط ، ولا يكره على الصحيح .


( من أحكام العام الهجري الجديد وما أحدث فيه )


1- التهنئة به : نقل في الإنصاف عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال : "لا أبدأ به" ، وعنه : "الكل حسن" ، وعنه : "يكره" ... ، ونقل علي بن سعيد : "ما أحسنه إلا أن يخاف الشهرة" . أهـ .
وقال شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله في جواب له للشيخ عبدالله بن عقيل بتاريخ 30/1/1379هـ : (رأيي فيها أنه لا بأس بها ؛ لأن الناس لا يتخذونها عبادة وإنما يفعلونها على سبيل المجاملة والتهنئة على قطع العام الماضي بخير واستقبال العام الجديد بمثله ، ولا يبعد أنها مستحبة لغيرها فإنها من القول الحسن الجالب للمودّة والألفة ، ومشتملة على دعواتٍ تليق . وقد ذكر ابن القيم استحباب التهنئة بالمولود لما فيه من إظهار الاغتباط به ، وأنك قد شاركت والده في سروره ، والظاهر أنها تطلب في كل سرور حادث ، ولا ريب أن المؤمن يسر بقطعه عاماً في طاعة ربه واستقباله عاماً آخر ، فإن خير الناس من طال عمره وحسن عمله . أهـ .
2- الاحتفال به : وهذا ليس له أصل من الكتاب والسنة .
3- إحياء أول ليلة من المحرم ولم يرد في ذلك حديث صحيح ولا ضعيف .
4- عمرة أول السنة وليس لها أصل .
5- تخصيص صيام أول يوم من السنة بنية افتتاح العام الجديد ، وكذا صيام آخر يوم من العام بنية ختم العام استدلالاً بحديث : (من صام آخر يوم من ذي الحجة وأول يوم من محرم ختم السنة الماضية وافتتح السنة المستقبلة بصوم ، جعل الله له كفارة خمسين سنة) . والحديث موضوع كما في اللآلئ المصنوعة 2/108 ، وتنزيه الشريعة 2/148 .


( البدع المحدثة في عاشوراء )


1- التوسعة على الأهل والعيال ؛ لحديث : (من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته) ، ولأن الرافضة يضيقون على أنفسهم فيه فاستحب مخالفتهم . والحديث موضوع ، والبدعة لا تقابل ببدعة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "وهذه بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين وكل بدعة ضلالة ، ولم يستحب ذلك أحد من الأئمة الأربعة وغيرهم وليس في استحبابه حجة شرعية بل المستحب صوم يوم عاشوراء فقط" . أهـ.
وقد كان بعض العامة في نجد يفعلون ذلك لأجل إغاظة الرافضة ومخالفتهم ويسمونه (عيد العمر) فيجعلونه عيداً . ذكر ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في الفتاوى 4/203 .
2- الصدقة فيه ؛ لحديث : (من تصدق فيه كان كصدقة سنة) . والحديث موضوع .
3- إحياء ليلة عاشوراء ؛ لحديث : (من أحيا ليلة عاشوراء فكأنما عبد الله مثل عبادة أهل السموات السبع) . والحديث موضوع .
4- الاكتحال والاختضاب والاغتسال ؛ لحديث : (من اكتحل يومه لم يرمد ذلك العام) . والحديث موضوع .
5- تخصيصه بعيادة المرضى ؛ لحديث : (من عاد مريضاً يوم عاشوراء فكأنما عاد مرضى ولد آدم) . والحديث موضوع .
6- الاجتماع عند القبور والسفر إليها .
7- قراءة سورة فيها ذكر موسى عليه السلام في صلاة فجر عاشوراء .
8- نعي الخطباء للحسين وذكر ما حَلَّ به يوم قتله .
9- اتخاذه مأتماً ، قال ابن رجب في اللطائف : "وأما اتخاذه مأتماً كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي فهو من عمل من ظل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً ، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً فكيف بمن دونهم" . أهـ.
10- صلاة عاشوراء ، وهي بين الظهر والعصر أربع ركعات يقرأ بعد الفاتحة آية الكرسي عشراً ، و(قل هو الله أحد) عشراً ، والمعوذتين خمس مرات ، فإذا سلّم استغفر سبعين مرة .

تم تحريره ضحى يوم السبت
1/1/1428هـ
بقلم كاتبه سامي المحمد الصقير


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:32 صباحًا السبت 22 محرم 1441 / 21 سبتمبر 2019.